1. شموخ أنثى

    شموخ أنثى New Member

    بسم الله الرحمن الرحيم​
    ​

    حين جاء جبريل عَليه السَّلَامُ إلى النَّبِيِّ الأمين صلى الله عليه وسلم في غار حراء وضمَّه إلى صدره وأمره بالقراءة​

    عاد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بعدها إلى بيته مرتعداً يرجف فؤاده​

    وهو يقول لخديجة رضي الله عنها بعد أَنْ قَصَّ عليها الخبر ​

    «لقد خَشِيتُ على نفسي»​

    فقالت له تلك الكلمات الخالدات: ​

    «كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ ​

    (أي: تنفق على الضعيف، واليتيم وذي العيال.)، وتكسب المعدوم (أي تعاون الفقير وتتبرع بالمال لمن عدمه.)​

    وَتُقْرِي الضَّيْفَ (أي تكرمه.) ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبَ الحق (ما ينزل بالإِنسان من حوادث ومصائب.)».​


    وحين خرج أبو بكر مُهَاجِراً نحو أرض الحبشة ليلحق بمن سبقه إليها من المسلمين، ​

    لقيه رجل من المشركين يقال له ابْنُ الدَّغِنَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ ​

    فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي. ​

    قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ (أَيْ مُجِيرٌ أمنع من يؤذيك)، ​

    فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: ​

    إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. ​

    إِذا تأملنا هَذَيْنِ الوصفين وجدنا العديد مِن الفوائد التربوية والنفسية والاجتماعية والخُلُقية التي ترتقي بالْإِنْسان إلى أقصى درجات الكمال البشري ​

    الممكن والمعبَّر به في وصف أبي بكر بقوله: «لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ»، ​

    كما تمنعه تلك الفوائد من السقوط الاجتماعي والنفسي المعبَّر عنه في كلام خديجة - رضي الله عنها - بالخزي، ​

    والْخِزْي كما عرفه العلماء هو شُعور مؤلم يسبِّبه الإحساس بالذنب أو الإحراج أو عدم الأهميَّة أو العار.. ​

    وبالتأمل في الحدثين المذكورين نجد أَنَّهما يؤسسان لقانون الجاذبية الأخلاقية، ​

    ويؤكدان أَنَّ لهذه الجاذبية مَعَالِمَ ومنارات ظاهرة واضحة كمَعَالِم الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ، ​

    وعلى كل مَنْ أراد أَنْ يكون جذاباً أَنْ يقصد هذه المعالم ويسعى إليها، أذكر منها الثلاثة التالية:​

    المَعْلَمُ الأول: السيرة الحسنة:​

    من الواضح أَنَّ الأوصاف التي وَصَفَ بها الرجلُ أبا بكر هي عين الأوصاف التي وصفت بها السيدة خديجة رسول الله، ​

    وأَنَّ هناك تطابقاً تاماً بين الوصفين، فعلى أي شيء يدل هذا التوافق؟​

    إِنَّهُ مِنْ جِهَة يدل على ائتلاف الروحين - روح الصادق والصدّيق -، ​

    كما يدل على عظيم فضل أبي بكر واتصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال؛ ​

    ومِنْ جِهَة أخرى يدل على ضرورة توافر هذه الأوصاف كلها أو جلها في {يا حب}{يا حب}{يا حب}{يا حب} الْقُدْوَات والدعاة ومَنْ أَرَادَ قيادة الناس، ​

    بل وفي {يا حب}{يا حب}{يا حب}{يا حب} أفراد المجتمع كافة من جهة أخرى، كما أنَّك إِذا أمعنت النظر في هذه الأوصاف وَجَدْتَهَا تشمل أصول مكارم الأخلاق؛ ​

    لأنّ الإحسان إِمَّا إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإِمَّا بالبدن أو بالمال، ​

    وإِمَّا على مَنْ يستقل بأمره أو مَنْ لا يستقل، وذلك كله مجموع في الوصفين، ​

    مِمَّا جعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه قبل البعثة عَلَمين في محيطهما الاجتماعي.​

    وقد عاب الله على أهل قريش حين لم يستجيبوا لدعوة رسوله، وتساءل سبحانه - تَعَجّباً واسْتَنْكاراً -: لماذا لم يستجيبوا لمحمد؟! ​

    هَلْ لأنّهم لا يعرفونه؟! لذا فهم في حاجة إلى وقت حتى يسألوا عَنْ أصله وفصله وعَنْ خلقه وسلوكه؟! ​

    لا، ليس الأمر كذلك، فهذا احتمال مستبعد تماماً؛ ​

    لأنّهم يعرفونه معرفة تامة - صغيرهم وكبيرهم -، يعرفون شخصه ويعرفون نسبه، ويعرفون - أكثر مِنْ أي أحد - صفاته، ​

    يعرفون مِنْه كل خلق جميل، ويعرفون صدقه وأمانته حتى كانوا يسمونه قبل البعثة “الأمين”، ​

    فَلِمَ لَا يصدقونه حين جاءهم بالحق العظيم والصدق المبين؟.. ​

    لذلك استنكر الله عليهم هذا السلوك العجيب في قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون: 69].​

    فالسيرة الطيبة والأفعال الحميدة والأخلاق الزاكية تجعل صاحبها قدوة طيبة وأسوة حسنة لغيره، ​

    ويكون بها كالكتاب المفتوح يقرأ فيه الناس المعاني الجميلة والنبيلة فيقبلون عليها وينجذبون إليها​

    المَعْلَمُ الثاني: الإيجابية والتحرك لمواجهة المشكلات اليومية الحياتية:​

    مِنْ أهم الأمور التي تُعِينُ على جذب الآخرين نحو شَخْصٍ ما: أنْ يكون عملياً، ​

    يَقِلُّ الكلام لديه، في حين تكْثُرُ الأساليب العملية التي تعالج المشكلات المعاصرة المحيطة به على نحو فعال وحاسم، ​

    يظهر ذلك بوضوح مِنْ الوَصْفين المشار إليهما، فخديجة - رضي الله عنها - لَمْ تَقُلْ للنبي: وماذا تخشى وقد أَلْقَيْت فيهم خُطْبَةً بَلِيغَةً جَزِلَةً. ​

    والذي وصف أبا بكر لم يقل له: لماذا يخرجك قومك وأنت من أشعر (أنسب أو أعرف العرب بشعرها وأنسابها) العرب وأفصحها لساناً؟ ​

    إنَّما ذَكَرَا صِفَاتٍ عملية واقعية. ​

    ولا يخفى أنَّ ديننا هو دين العمل وأنَّ أكثر الأمور اقتراناً وتساوقاً في القرآن الكريم: الإيمان والعمل الصالح، ​

    وكان مِمَّا نهت عنه الشريعة وكرهته وحذرت مِنْه: “القيل والقال”، أي فضول القَوْل والاشتغال بما لا يعني مِنْ أقاويل الناس.​

    المَعْلَمُ الثالث: التصوّر الصحيح لعلاقة الإنسان بالإنسان:​

    نحن لا نعلم على وجه التحديد مَنْ هم الذين كانوا ينالون هذه الألوان مِنْ البر والإحسان، ​

    حيث لم يُشِرْ أي من النصّين مِنْ قريب أو بعيد إليهم، ​

    ولم يتكلّف أحد من الشراح والمفسرين تعيينهم أو تحديد أسماء بعضهم، ​

    فليس في ذلك فائدة تُذْكَر، والشيء المؤكد أَنَّهم كانوا ممن يعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في نفس الحيز المكاني، ​

    وقد حرص النبي وصاحبه كل الحرص على إحسان المعاملة معهم ومشاركتهم شعورهم، ​

    وهذا يعني أَنَّ مستقبل البشرية سيظل مَرْهُوناً بأمرين أساسيين: ​

    حُسْنُ علاقتها بالله جل وعلا، وحُسْنُ العلاقة بين الإنسان والإنسان أيّاً كانت العقائد والتوجهات.​

    فالله جلّ وعلا بقدرته وحكمته لم يخلق شخصين - منذ نشأة ال{يا حب}{يا حب}{يا حب}{يا حب} وإلى أَنْ تقوم الساعة - متشابهين في الشكل والمعنى أو المظهر والجوهر، ​

    بل حتى في أطراف الأصابع التي هي مِنْ عظيم قدرته، ​

    يشير إلى ذلك قوله تعالى: ​

    «بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ»، ​

    ومِنْ وجوه التفسير فيها: ​

    نحن قادرون على تسوية تلك الخطوط الدقيقة في الأصابع والتي تختلف بين إنسان وإنسان اختلاف الوجوه والأصوات واللهجات، ​

    مِمَّا يجعل الإنسان في نهاية المطاف شخصية مستقلة تتولّد عند اجتماعها واختلاطها بغيرها ألوانٌ مِن الاختلاف يستحيل القضاء عليها قَضَاءً تاماً، ​

    والمطلوب أَنْ يتجاوز بنو البشر - ولو في المحيط الجغرافي الواحد على الأقل - هذه الاختلافات حتى يتحقق المقصد من ال{يا حب}{يا حب}{يا حب}{يا حب}، وهو العمارة والعبادة. ​

    ومِنْ عجيب ما استنبطه العلماء من الوصفين المشار إليهما: ​

    أَنَّ مَنْ كانت فيه منفعة متعدية لا يُمَكَّن مِنْ الانتقال عن البلد الذي هو فيه إلى غيره بغير ضرورة راجحة. ​

    وقد صدقوا، فَهَؤُلَاءِ للناس كالجبال الرواسي للأرض.​

    اللهم إنّا نسألك إيماناً في حُسْن خُلُق، وصَلَاحاً يَتْبَعُهُ فلاح​

    آمين​
     
  2. جاري تحميل الصفحة...